الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

130

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والباء في بِما كَفَرْتُمْ للسببية . و ( ما ) مصدرية ، أي بكفركم ، أي شرككم . و ( ثم ) للترتيب الرتبي كشأنها في عطفها الجمل . وهو ارتقاء في التهديد بعدم وجود منقذ لهم ، بعد تهديدهم بالغرق لأن الغريق قد يجد منقذا . والتبيع : مبالغة في التابع ، أي المتتبع غيره المطالب لاقتضاء شيء منه . أي لا تجدوا من يسعى إليه ولا من يطالب لكم بثأر . ووصف ( تبيع ) يناسب حال الضر الذي يلحقهم في البحر ، لأن البحر لا يصل إليه رجال قبيلة القوم وأولياؤهم ، فلو راموا الثأر لهم لركبوا البحر ليتابعوا آثار من ألحق بهم ضرا . فلذلك قيل هنا تَبِيعاً وقيل في التي قبلها وَكِيلًا كما تقدم . وضمير بِهِ عائد إما إلى الإغراق المفهوم من فَيُغْرِقَكُمْ ، وإما إلى المذكور من إرسال القاصف وغيره . وقرأ الجمهور ألفاظ يَخْسِفَ و يُرْسِلَ و يُعِيدَكُمْ و فَيُرْسِلَ و فَيُغْرِقَكُمْ خمستها بالياء التحتية . وقرأها ابن كثير وأبو عمرو - بنون العظمة - على الالتفات من ضمير الغيبة الذي في قوله : فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ إلى ضمير التكلم . وقرأ أبو جعفر ورويس عن يعقوب فتغرقكم بمثناة فوقية . والضمير عائد إلى الرِّيحِ على اعتبار التأنيث ، أو على الرياح على قراءة أبي جعفر . [ 70 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 70 ] وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً ( 70 ) اعتراض جاء بمناسبة العبرة والمنة على المشركين ، فاعترض بذكر نعمة على جميع الناس فأشبه التذييل لأنه ذكر به ما يشمل ما تقدم . والمراد ببني آدم جميع النوع ، فالأوصاف المثبتة هنا إنما هي أحكام للنوع من حيث هو كما هو شأن الأحكام التي تسند إلى الجماعات . وقد جمعت الآية خمس منن : التكريم ، وتسخير المراكب في البر ، وتسخير المراكب في البحر ، والرزق من الطيبات ، والتفضيل على كثير من المخلوقات . فأما منة التكريم فهي مزية خص بها اللّه بني آدم من بين سائر المخلوقات الأرضية .